ابن ميثم البحراني

297

شرح نهج البلاغة

وآخَرُ قَدْ تَسَمَّى عَالِماً ولَيْسَ بِهِ - فَاقْتَبَسَ جَهَائِلَ مِنْ جُهَّالٍ وأَضَالِيلَ مِنْ ضُلَّالٍ - ونَصَبَ لِلنَّاسِ أَشْرَاكاً مِنْ حَبَائِلِ غُرُورٍ وقَوْلِ زُورٍ - قَدْ حَمَلَ الْكِتَابَ عَلَى آرَائِهِ - وعَطَفَ الْحَقَّ عَلَى أَهْوَائِهِ - يُؤْمِنُ النَّاسَ مِنَ الْعَظَائِمِ ويُهَوِّنُ كَبِيرَ الْجَرَائِمِ - يَقُولُ أَقِفُ عِنْدَ الشُّبُهَاتِ وفِيهَا وَقَعَ - ويَقُولُ أَعْتَزِلُ الْبِدَعَ وبَيْنَهَا اضْطَجَعَ - فَالصُّورَةُ صُورَةُ إِنْسَانٍ والْقَلْبُ قَلْبُ حَيَوَانٍ - لَا يَعْرِفُ بَابَ الْهُدَى فَيَتَّبِعَهُ - ولَا بَابَ الْعَمَى فَيَصُدَّ عَنْهُ وذَلِكَ مَيِّتُ الأَحْيَاءِ أقول : وهذا الفصل من صفات بعض الفسّاق في مقابلة الموصوف السابق ، وخصّص من تسمّى عالما وليس بعالم بالذكر في معرض الذمّ لأنّه أشدّ فتنة وأقوى فسادا للدين لتعدّى فتنته من نفسه إلى غيره . وذكر له أوصافا : الأوّل : كونه قد تسمّى عالما وليس بعالم . طلبا للرياسة وتحصيل الدنيا وهذا الصنف من الناس كثير والعلماء فيهم مغمورون . الثاني : كونه قد اقتبس جهائل من جهّال وأضاليل من ضلَّال . والجهايل : جمع جهالة ، وأراد الجهل المركَّب ، وهو الاعتقاد الغير المطابق لما في نفس الأمر ، وهذا الوصف أحد أسباب الأوّل . ونسبة الاقتباس إلى الجهل نسبة مجازيّة لما أنّ الجهل يشبه العلم في كونه مستفادا على وجه التعلَّم والتعليم ، والأضاليل من لوازم الجهالات وهو الانحراف عن سواء السبيل ، وإنّما قال من جهّال وضلَّال ليكون إثبات الجهل والضلال له آكد فإنّ تلقّفهما عن الجهّال الضلَّال واعتقادهما أثبت وأرسخ في النفس من ساير الجهالات . الثالث : كونه نصب للناس أشراكا من حبال غرور وقول زور . استعار لفظ الأشراك والحبال لما يغرّ علماء السوء به الناس من الأقوال الباطلة والأفعال المزخرفة ، ووجه المشابهة ما يشترك فيه الشرك من الحبال وغيره وساير ما يجذب به الخلق من